جاليتي
ـ1ـ
رديئة جاليتي ومشتتة،
لأنها لا تؤمن بالعطاء
بل بالجحود.
فكم من مرة حبلت ولم تلد؟
العقم عندها فضيلة.
أدباؤها جهلة،
وجهّالها أدباء وفلاسفة.
أنبياؤها يبيعون أجسادهم
بأسواق الرقيق الأبيض،
وشياطينها يتربعون على كرسي المجد
والوقار.
جاليتي،
لم تميّز بعد،
بين القداسة والعار.
ـ2ـ
تعيسة جاليتي وبائسة،
فالأيام أظهرت أن البيئة التي تعيشها،
هي التي تتلاعب بها،
تسيّرها على ذوقها،
تكيفها حسب طقوسها،
وتأمرها فتطيع..
أما عاداتها التي رضعتها
من أثداء أمهاتها،
فلقد أصبحت عبئاً ثقيلاً عليها،
بعد أن قطعت الأثداء وأكلتها،
ونحرت البطون لتتلذذ.
ـ3ـ
قاسية جاليتي ومذنبة،
تعاقر القمار لتحبل بالخسارة.
بيوتها مفككة،
وأطفالها مشردون..
فلا الأب يحب أبناءه،
ولا الأم تحنو وترضع،
الكل يركض وراء اللاشيء،
وكل شيء..
يمكن تجسيده بالتكاتف
والتضامن،
والمحبة.
ـ4ـ
جاهلة جاليتي ومضجرة،
فلا الكتاب رفيقها،
ولا القراءة.
إذا تحدّثت أضجرت،
وإن جادلت ارتبكت،
صمتها ثرثرة ومقالب..
ونميمتها تبلل سهراتها
بلعاب أسود.
ومع ذلك،
أنا أحبها كذاتي،
لأنني أشعر أن الأيام ستصقلها،
وتعيد لمعانها من جديد.
فالشعب الآتي من الأعالي،
حاشاه الانحدار والتقوقع.
جاليتي سيأتي مسيحها يوماً،
ويصرخ بأعلى صوته:
ـ أليعازر.. قم وانهض من القبر.
1983
**
لا الوقت ولا الحرف سيجيئان بنعيم خوري آخر
ـ1ـ
أَتَطَلّعُ بِصُوَرِكَ الْجَميلَةِ في مَكْتَبِي
فَأَحْسَبُكَ تَتَأَهَّبُ لعِناقي
تَماماً كَما كُنْتَ تَفْعَلُ قَبْلَ الرَّحيلِ
ـ2ـ
أَقْرَأُ مَقالاتِكَ وَقَصائِدَكَ الْكَثيرَةَ الَّتي كَتَبْتَها عنّي
وَأَدْخَلْتَنِي بِها عالَمَ الْكَلِمَةِ السَّرْمَدِي
فَأَحْسَبُكَ تُخاطِبُنِي بِصَوْتِك الكُوراني
الطَّاِلعِ مِنْ صَدْرٍ اسْتَقْبَلَ الْمَوْتَ دون رعْدَةٍ
ـ3ـ
يا نَمِرَ الغُرْبَةِ الأسْمَر
لَنْ يِطْويكَ الرَّدى
وْلَن تُذْبِلَ نَضارَتَكَ سَنَواتُ الإبْتِعادِ عَنّا
إِنّكَ تَعيشُ فينا
تَتَنَقّلُ معنا
وَتَعِظُنا كَيْ لا نَنْزَلِقَ نَحْو الغُموض
ـ4ـ
أيّها الواضحُ كالشّمس
الهادرُ كالزَّوْبَعَةِ
الْمُنْطَلِقُ كَضَحِكات الأطْفال
وَالصَّامِدُ كَأَطْفالِ الْحِجارةِ
إننا نحبّك.
ـ5ـ
أيها الشّاعرُ الذي عَشِقَتْهُ القَصائد
وَتَهافتتْ نَحْوَه القوافي
قَوِّنا كي نَسْتَمِر
أيّها الناثرُ الذي غارَ من نَثْرِهِ الشِّعْر
وَاسْتَحَمّت حُورِيّاتُ الإبْداعِ بِحِبْر أَقْلامِه
هَبْنا مَلَكَتِك الأدبيّة لنُبْدِع
ـ6ـ
لَقَد كُنْت نَعيمَنا وَسَتَبْقى
فَلا الْوَقْتُ
وَلا الحرفُ سَيَجيئانِ بنعيم خوري آخَر
فَنَمْ قَريرَ العين
وَاحْلمْ بِقَصيدَة جديدةٍ
تُخَفّفُ من حَرّ انْتِظارِنا على قارِعَة الْحياة
**
كي لا ننسى إيليا أبو شديد
ـ1ـ
إيليا أبو شديد..
شاعرٌ من أرضي الّتِي أعبُد،
عرفَ كيف يحوكَ من خُيوط العَنْكَبوت
خَيْمَةً يَتَفَيّأ تَحْتَها الشعر.
عرف كيف يَنْسُج في ليالي النار عباءاتٍ من الورد
تستر بها القصيدةُ عَوْرَتَها.
ـ2ـ
حمل قناديلَ الثلجِ كما حَمَل ديوجين قِنْديلَه،
ولكننا اهتدَيْنا بقناديلِ ثلجه
وَلَمْ يهتدِ ديوجين بعد!
ـ3ـ
بناتُ العشرين طَرّزن حروفَه بحلماتِهِنَّ،
مخافة أن تجوعَ الحروفُ
ولا تجد من يُرْضِعَها.
ـ4ـ
كان الشاعرُ اللبناني الوحيدُ
الذي غنّى لِجُرْحه المصلوب،
وبدلاً من أن يبكي الجُرْحُ،
راح يُصفّق طرباً.
ـ5ـ
صوتُ ماردِهِ هزَّ الكونَ،
وما زال يهزُّه،
غير عابىءٍ بدوراتِه ورياحِه وأنوائِه..
فالماردُ من لبنان،
والصوتُ شهقةُ شاعرٍ فَذّ.
ـ6ـ
وكما ركِبَ قدموسُ البَحْرَ،
ليزرعَ أبجديَّتَه على ألسنةِ القارات،
هكذا امتطى البَحّار صهوةَ زَوْرقه
ليزرعَ أشعارَهُ في قلوبِنا.
ـ7ـ
إنه ثورةٌ لـم يَعْتَرِها ندم..
إنه الشاعرُ الذي أمرَ الزمانَ أن يقفَ،
فوقفَ ليحتضنَه ويرحل.
ـ8ـ
قصيدة (حياتي) أو (صوت الإنسان)
أسمعها قبيل رحيله لصديقه الدكتور عصام حدّاد،
وأوصاهُ أن يسمعَها للريح..
علّها تنقلها إلى الجهاتِ الاربع،
وتعلِّقها على صدورِ الناس أزرارَ ورد.
ـ9ـ
صَدَرت عنه دراساتٌ عديدة،
نذكر منها:
إيليا أبو شديد، شاعرُ المغامرة، للباحث جان صَدَقَة.
وإيليا أبو شديد شاعرٌ عامي مبدع،
للدكتور جورج طَرَبَيه..
ولكنَّ الدراسةَ الأهم
كانت حياته المليئة بالعطاءِ اللامحدود.
ـ10ـ
إيليا أبو شديد غَيّبَه الموتُ عن 64 عاماً،
ولكن الشعرِ أحياه
وأعادَه إلينا في اليومِ الثاني قَصيدةً ولا أَجْمل،
سيُردِّدُها الناسُ،
وستحرقُ قلوبَ العشّاق.
**
نعمان
ـ1ـ
نُعْمانُ.. وَالإِسْمُ الذَّهَبْ
يَزْهو، فَيَخْتالُ الأَدَبْ
أَسْقَيْتَنا مِن نَبْعِكَ
ماءً دِمَشْقِيَّ النَّسَبْ
رَصَّعْتَنا بِبَديعِكَ
وَمَنَحْتَنا أَعلى الرُّتَبْ
وَحَّدْتَنا.. وَبِوِسْعِكَ
تَوْحيدُ أَوطانِ الْعَرَبْ
ـ2ـ
يا "حَرْبُ".. لولاكَ الْحُروفْ
ضَاعَتْ بِطَيَّاتِ الْعَدَمْ
وَتَمايَلَتْ صَوْبَ الْخُسوفْ
أَقْمارُ مَنْ أَعْطى الأُمَمْ
فِكراً، وآداباً تَطوفْ
كَيْ يَنْجَلِي لَيْلُ الأَلَمْ
شَعْبي.. وَإِنْ جاءَتْ سُيوفْ
لِلْغَزْوِ، يَسْتَلُّ الْقَلَمْ
ـ3ـ
يا ابْنَ الْجِبالِ الْعالِيَه
عَرِّجْ عَلَى الْقَبْرِ الْعَظيمْ
وَاخْبِرْ تُرابَهُ ما بِيَا
أَخْبِرْهُ عَنْ وَعْدٍ قَديمْ
أَلاَّ يُدَنِّسَ أَرْضِيا
مُسْتَعْمِرٌ، غِرٌّ، لَئيمْ
..نُعْمانُ أَنْتَ وَ"باشِيا"*
إِثْنانِ.. لا يَطْوِي الأَديمْ!!
ـ باشيا: المناضل سُلطان باشا الأطرش
ـ نعمان: الأديب نعمان حرب
**
أمثالك قلائل.. فلتبكك القصيدة
ـ1ـ
حَجَرٌ آخَر
مِنْ عِمارَةِ شِعْرِنا الْمَهْجَرِيِّ
اقْتَلَعَتْهُ رِياحُ الْغُرْبَةِ،
وَتَلاعَبَتْ بِهِ كَوُرَيْقَةٍ خَريفِيَّةِ الْمَلامِحِ
وَالنَّظَراتِ.
سُنْبُلَةٌ أُخْرَى
اقْتُطِفَتْ مِنْ حُقُولِنا الْمُثْقَلَةِ بِالتَّعَبِ،
دُونَ أَنْ يَرِفَّ لِلْمَوْتِ جَفْنٌ.
ـ2ـ
رَامِز عُبَيْد الشَّاعِرُ،
عَرَفْتُهُ،
اخْتَبَرْتُهُ،
صاحَبْتُهُ،
وَأَحْبَبْتُهُ.
تَواضُعُهُ: احْتِرَامٌ وَتَأَدُّبٌ..
إِنْسانِيَّتُهُ: انْدِفَاعٌ وَخِدْمَةٌ..
وَشاعِرِيَّتُهُ خَلاّقَةٌ كَأَخْلاقِهِ،
وَمُمَجَّدَةٌ كَالْبَيْتِ الَّذِي أَعْطاهُ الاسْمَ.
ـ3ـ
شاعِرٌ.. إِبْنُ شاعِرٍ
أَميرٌ.. إِبْنُ أَميرٍ
فَيا خَسارَةَ الْقَوافِي بِرَحيلِ النَّسْرِ الْمُهاجِرِ..
وَيا خَسارَةَ الأَحْلامِ الْمُعَتَّقَةِ في جِرارِ غُرْبَتِها..
كُلُّ شَيْءٍ تَوَقَّفَ عَنِ الدَّوَرانِ،
ما عَدَا الْحُزْن.
ـ4ـ
وَقَفْتُ بِظِلِّهِ في عِدَّةِ أُمْسِيَاتٍ شِعْرِيَّة..
فَكانَ الْمُحَلِّقَ،
وَكانَ الْمُبْدِعَ،
وَكانَ النَّدَّ الْمِثالِيَّ.
لَـمْ يَقُلْ أَنا..
لَـمْ يَتَبَجَّحْ..
رَغْـمَ اعْتِدادِهِ بِشِعْرِهِ.
لَـمْ يَغْتَبْ أَحَداً..
رَغْـمَ رَوَاجِ عاداتِ الاغْتِيابِ
وَالطَّعْنِ
وَالثَّرْثَرَةِ
في جالِيَتِنا..
كانَ مَتْرِيتيّاً حَقّاً..
وَلُبْنانِيّاً بِامْتِيازٍ..
فَهَنيئاً لِلْوَطَنِ بِرُفاتِهِ.
ـ5ـ
زُرْتُهُ عِدَّةَ مَرّاتٍ..
مالَحْتُهُ عِدّةَ مَرّاتٍ..
وَطالَبْتُهُ بِنَشْرِ ديوانِ أَبيهِ (الْمَلِكَ) عِدّةَ مَرّاتٍ.
وَكانَ يُتَمْتِمُ: (بَعدْ بَكّير)..
أَجَلْ.. (بَعدْ بَكّير)..
فَرَحيلُكَ جاءَ مُبَكِّراً جِدّاً يا رامِز..
رَحيلُكَ اسْتَبَقَ أَحْلامَكَ وَأَحْلامَنا.
حَرَمَنا مِنْ حُضورِكَ الْمُفْرِحِ،
مِنْ رَنَّةِ ضِحْكَتِكَ الْمُمَوْسَقَةِ،
الطَّالِعَةِ مِنْ صَدْرٍ ما عَرَفَ إلاّ الدِّفْءَ،
وَمِنْ إِشْعاعِ عَيْنَيْكَ الْبَريئَتَيْنِ
كَعُيونِ الْمَلائِكَة.
ـ6ـ
آهٍ..
كَمْ أَنا حَزِينٌ عَلَيْكَ..
وَكَمْ أَنا عاجِزٌ عَنِ التَّعْبيرِ عَنْ حُزْنِي.
حُزْنِي مُحيطٌ..
وَأَنا قَطْرَةٌ.
حُزْنِي إِعْصَارٌ..
وَأَنا مَرْكَبٌ صَغيرٌ لا يَقْوَى عَلَى الإبْحارِ.
حُزْنِي مَرْثاةٌ عُبَيْدِيَّةٌ..
أَنَّى لي امْتِلاك قَوافِيها.
ـ7ـ
أَتَيْتَ الْغُرْبَةَ طِفْلاً،
وَلَـمْ تَنْسَ أَنَّكَ شاعِرٌ.
وَرِثْتَ الْقافِيَةَ عَنْ أَبيكَ وَأَجْدادِكَ،
فَأَثْلَجْتَ صُدورَهُمْ بِإبْداعِكَ.
عايَشْتَ اللُّغَةَ الإنْكِليزَيَّةَ مُنْذُ صِغَرِكَ،
وَلَكِنَّ الْتِحامَكَ بِلُغَتِكَ الأُمِّ،
بِلَهْجَتِكَ الْمُحَبَّبَةِ،
وَبِتُراثِكَ الْعَظيمِ..
كانَ أَقْوَى مِنَ الالْتِحامِ،
وَأَسْمَى مِنَ الْفَرْنَجَةِ.
لَـمْ تَكُنْ إِلاَّ كَما أَرادَكَ الْوَطَنُ.
وَلَـمْ تُفْرِحْ قَلْبَ أَحَدٍ كَما أَفْرَحْتَ قَلْبَهُ،
فَاسْتَحَقَّ قامَتَكَ وَالتُّراب.
ـ8ـ
لِماذا يَنْطَفِىءُ الشُّعَراءُ الْمَهْجَرِيّونَ كَالشُّموعِ،
دونَ أَنْ تَرْتَجَّ الأَرْضُ لِرَحيلِهِمْ؟!
لِماذا يُغادِرُنا الكِبارُ،
دونَ أَنْ نَشْعُرَ بِهِمْ،
وَكَأَنَّهُم نَسائِـمُ رَبيعِيَّةٌ عادَتْ إِلى مُرْسَلِها؟!
لِماذا نَحْنُ هامِشِيّونَ،
سَرابِيّونَ،
لا يَلْتَفِتُ إِلَيْنا أَحَدٌ،
وَلا يَسْمَعُ وَقْعَ أَقْدامِنا أَحَدٌ؟
لِماذا؟.. لِماذا؟..
أَسْئِلَةٌ تَتَطايَرُ كَمَناديلِ الْمُوَدِّعينَ ساعاتِ الرَّحيلِ،
وَلَكِنَّها أَكْبَرُ وَأَبْعَدُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَجْوِبَتِنا.
ـ9ـ
لَقَدْ فَشِلْنا في حِمايَةِ بَعْضِنا الْبَعْض مِنَ الانْدِثارِ..
تَلَهَّيْنا بِالْحَرْتَقاتِ الصَّغيرَةِ،
وَتَغاضَيْنا عَنْ احْتِضَانِ الْمَواسِمِ،
وَجْنْيِ الثِّـمَار.
مَواسِمُنا كَثيرَةٌ،
وَالْحَصّادونَ مُتَناحِرُونَ!
عَطاءاتُنا تَتَباهى على كُلِّ الْعَطاءاتِ،
وَنَحْنُ نَسْخَرُ مِنْها،
وَلا نَتْرُكُ باباً
إِلاّ وَنوصِدُهُ بِوَجْهِها.
ـ10ـ
كانَ بَيْنَنا الْعُبَيْدِيّان
يَعْقوب
وَميشال.
كانَ بَيْنَنا زَيْنُ الْحَسَن،
مِخائيل قُرْبان،
مُصْطَفى أَيُّوب، وَغَيْرُهُم.
وَكانَ بَيْنَنا نَعيم خوري
وَرامِز عُبَيْد.
فَهَلْ مِنْ ثَرْوَةٍ أَدَبِيَّةٍ أَكْبَر مِنْ هَذِه الثَّرْوَة؟..
وَهَلْ مِنْ غِنىً يُضاهِي غِنَى الرَّاضي
بِما مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْه؟
ـ11ـ
فُقَراءُ نَحْنُ..
يَتَناتَشُنا الْخُبْثُ وَالإدِّعاءُ وَالتَّطاوُلُ.
جُبَناءُ نَحْن..
نَتَّهِمُ الآخَرينَ زُوراً،
نَخْتَلِقُ الأَعْذارَ،
وَنَتَلَطّى خَلْفَ أَظافِرِنا الْحَبْلَى بِأَوْساخِها.
أَرْقامٌ هَشَّةٌ نَحْنُ،
نَتَراقَصُ فَوْقَ أَوْراقِ يانَصيبٍ،
لا يَشْتَريها سِوى الْقَدَر.
ـ12ـ
يَرْحَلُ عَنْ مَنْفانا الْكِبارُ،
وَيَبْقَى الأَلَـمُ.
تَرْحَلُ الْكَلِمَةُ،
وَتَبْقى صَفْحَتُنا تَئِنُّ مِنْ عُقْمِها.
تَرْحَلُ أَنْتَ يا رامِز،
وَنَبْقى نَحْنُ بِانْتِظارِ قَدَرٍ يُنْزِلُنا
عَنْ ظَهْرِ الْغُرْبَةِ.
أَمْثالُكَ قَلائِلُ..
فَلْتَبْكِكَ الْقَصيدَةُ.
**
لو لم يحرقوا الحلم في (بالي)..
ـ1ـ
قبلَ أَنْ يَدُبَّ الرّعبُ في أَجْنِحَةِ الْعَصافير..
وَقْبلَ أَنْ تَرْكَعَ أَشْجارُ (الْبَاباوْ)،
وَتَنْفَصِمَ ظُهُورُها..
أَهْدَيْتُكِ الْفَرَحَ فِي (بَالِي).
ـ2ـ
لَوْ لَمْ يَمُتِ (السَّارِي كْلوبْ)،
وَيْغْرَقْ فِي دِماءِ الأبْرِياء،
لأَخْبَرَ الْكَوْنَ قِصَّتَنا:
كيفَ رَوَّضْنا حَلَبَةَ الرَّقْصِ بِأَرْجُلِنا.
وَكَيْفَ انتَفَضتْ قِنِّيناتُ الْخَمْرِ
وَتَأَفَّفَتْ
حِينَ رَشَفْتُ لُعابَكِ.
ـ3ـ
سُكَّانُ جَزيرَةِ (بالي)
أَحَبُوكِ مِنَ النَّظْرَةِ الأُولى.
سَلامُهُمْ عَلَيْكِ
كانَ تَرْحيباً بكِ.
عُقُودُ الأَزْهارِ التي أَهْدوها لِعُنُقِكِ
أَبَتِ الذّبُولَ بَعْدَ أُسْبُوعٍ مِنَ الدّلالِ،
وَالتَّأَرْجُحِ فَوْقَ نَهْدَيْكِ.
عُقُودُهُمْ زَيّنَتْكِ،
بَرَّجتْكِ،
أَرْجَعْتُكِ أَميرَةً عربية،
يَخْشَى الفرسان مُبارَزَتَها.
ـ4ـ
لَوْ لَمْ يُحْرِقُوا الْحُلْمَ في (بالي)..
لاقْتَفَيْتُ خُطُوَاتِكِ،
وَلَجَمَعْتُها واحدَةً واحِدَةً في حَقيبَتِي.
لَنْ أَعُودَ إلى سيدْنِي،
وَشَاطِىءُ (نُوسَا دْوَا)
يَحْتِفِظُ بِغُبارِ رِجْلَيْكِ!
أُفٍّ ما أَغْلَظَ مِياههُ البلوريّة الهادئة،
فَلَقَد سرَقَتْكِ منّي،
وَحَمَّمَتْكِ مِئَةَ مَرّةٍ في الدقيقة،
دونَ أن تُعيرَنِي انْتِباهاً،
أَوْ أنْ تَعْتَرِفَ بِصُحْبَتي لكِ!.
ـ5ـ
(كُوتَا) اللّذيذَةُ كَعَسَلِها
لَمْ تَتَدَخَّلْ.
أَهْدَتْنا شَوارِعَها،
مَحَلاّتِها التِّجاريّةَ،
وَمَطْعَمَيْ (الْبِيتْزَا هَاتْ)
وَ(الْمَاكْدُونَالْد)..
وَهَمَسَتْ فِي آذانِنا:
لا تَخافوا الأشباحَ،
فَالْمُؤمنُ لا يَخافُ.
وَفَجْأَةً تَسَلَّلَ الأشْباحُ
إلى (كُوتا)
وَمَحَوا ابْتِسامَتَها الْمَلائكيّةَ الْمُشرِقَةَ
بِلَهيبِ حِقْدِهِم الْمُميت.
بَعْد سَنَتَيْن مِنْ رِحْلَتِنا إلى جَزيرةِ (بالي)،
أَعْلَنَتْ (كوتا) خَوْفَها.
ـ6ـ
هاتِي عُقُودَ الأزْهارِ الّتِي تَحْتَفظينَ بِها،
لأُعيدَها إلى (بالي)..
جَزيرَتُنا حزينَةٌ،
يا حبيبَتِي،
كَأُمَّهاتِنا الْفَلَسْطِينِيّات،
يَلُفُّ الألـمُ وَجْهَها الأخضرَ،
يُجَرّحُ قلبَها النابضَ بالحب،
وَيَحْصُدُ بِمِنْجَلِ الرُّعْبِ
وُجُوهَ زائِريها.
أينَ النَّاسُ؟
أَسْمَعُ حَشْرَجاتِ قَلْبِها،
سَقْسَقاتِ دُموعِها،
لَنْ تَعُودَ الْحَياةُ إلى (بالي)،
إنْ لَمْ نَعُدْ نَحْنُ إلَيْها..
وَنَمْسَحْ بِرَقَصاتِنا الْمُؤمِنَةِ
بَصَماتِ هَمَجِيَّةٍ
كافِرَةٍ.
**
غريب أنا في ألمانيا
ـ1ـ
أَرَدْتُ أنْ أُهْدِيَ جَسَدَكِ الْمَيّاسَ
قِنّينَةَ عِطْرٍ،
فَإذا الْعِطْرُ حَزينٌ كَمَحَلاّتِ (هَايْدِلْبيرغْ)،
وَكَقَلْعَتَها التَاريخيّةِ.
ـ2ـ
كَئيبَةٌ هِيَ أَلْمَانْيَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ الْحَزينَةِ..
كُلُّ ما فِيها يُعَانِي الوَحْشَةَ،
حَتَّى قَلْبِي الزَّائِر،
وَكُحْلَة عَيْنَيْكِ.
ـ3ـ
وَحْدَها كَنيسَةُ (كُولُونْ)
رَفَضَتْ أَنْ تَقْفِلَ أَبْوابَها
كَأَفْواهِ الْمَارَّةِ..
تَرانيمُها الْحَزينَةُ جَرَّحَتْ حَناجِرَ الْمُصَلِّينَ،
وَأَوْقَعَتْهُمْ في الأَلَمِ.
ـ4ـ
إيماني أَجْبَرَنِي عَلَى الدُّخولِ..
حَمَلَنِي إِلَيْها
كَما أَحْمِلُكِ بَيْنَ يَدَيَّ..
وَلَكِنَّ كاهِناً مُتَسَلِّطاً كَالْقِرْدِ،
أَمَرَنِي بِالإبْتِعادِ عَنْ مَقاعِدِ الْمُصَلّينَ،
وَأَرْكَعَنِي في الزَّاوِيَةِ..
ـ5ـ
غَريبٌ أَنا في أَلْمَانْيا..
لا حِجارَةُ الْكَنائِسِ تَعْرِفُنِي،
وَلا اسْتِبْدادُ الْكَهَنَةِ..
عَرِّفيهِمْ بِي..
قُولي لَهُم: هذا حَبيبِي،
أَحِبّوهُ كَما تُحِبُّ السَّماءُ،
وَيُشْرِقُ وَجْهُ اللّـهِ..
لُغَتُكِ الأَلْمَانِيّة مُتَماسِكَةٌ كَأَيْدينا،
وَابْتِسامَتُكِ الْمَلائِكِيَّة تَمْحو الْكُرْهَ
بِزَقْزَقَةٍ يَتيمَةٍ..
وَأَنْتِ أَشْبَه ما تَكُونِينَ
بِنِسَاءِ أَلْمَانْيا السَّاحِرات.
ـ6ـ
كَلِمَةٌ واحِدَةٌ مِنْكِ..
تُقَرِّبُ الْعيدَ،
وَتَقْلُبُ الْحُزْنَ فَرَحاً..
وَتُعيدُ الأضْواءَ للمَحَلاّتِ التِّجاريّةِ.
أُريدُ قِنِّينَةَ عِطْرٍ..
وْما لي سِوَى لُعَابِكِ!
**
درّاجات أمستردام
ـ1ـ
دَرَّاجَاتُ أَمِسْتِرْدَام
تَحْفَظُ دَوْرَها جَيِّداً:
تَرَاكَضِي أَمَامَ عَيْنَيْها،
لِتُعْجَبَ بِكِ!!
ـ2ـ
دَواليبُها الْهَوائِيَّةُ
تَلْتَقِطُ عَنِ الطُّرقاتِ ظِلالَ جَسَدِكِ
لِتَنْصُبَها في الرِّيحِ خَيْمَةً
تَأْوي إلَيْها عَصافِيرُ الْحُقُولِ
الْمُجَرَّحَةِ بِخَنادِقِ الْمِياهِ.
ـ3ـ
رُكّابُها يَتَسابَقُونَ نَحْوَكِ..
يُلَوِّحُونَ لَكِ بِقُبَّعاتِهِم
الْمُرَقَّطَةِ كَجُلُودِ أَبْقارِهِم،
وَيَدْعونَكِ لِلتَّنَزُّهِ فَوْقَ صَفْحَةِ الْمَدينَةِ
على بِسَاطِ رِيحٍ جَديدٍ،
لَـمْ تَرْكَبْهُ شَهْرَزاد،
وَلَـمْ تَلِدْهُ مُخَيّلَةُ أَديب.
ـ4ـ
يا ابْنَةَ الشَّرْقِ..
يا حَفيدَةَ جبران خليل جبران..
هُولَنْدا سَتَحْتَفِظُ بِحُبَيْباتِ الْعَرَقِ
الْمُتَصَبّبَةِ مِنْكِ،
لِتُنْعِشَ بِها أَزْهارَ الْعاشِقيَن
ساعاتِ الْجَفاف.
**
غوندولا البندقيّة
ـ1ـ
لا تَخَافي يا حَبيبَتِي..
شَخْتورَةُ (الْغُونْدُولا) لَنْ تَغْدُرَ بِكِ..
لَنْ تَغْرَقَ..
إِنَّهَا رَفيقَةُ الْمِياهِ الْهادِئَةِ
مُنْذُ تَكَوَّنَتِ الْبُنْدُقِيَّةُ..
ـ2ـ
اصْعَدِي..
لِيُغَنِّي لَكِ بَحَّارُها
عَلَى وَقْعِ مِجْذَافٍ مِغْناجٍ،
أُغْنِيَةً لَحَّنَها الْمَوْجُ
وَغَنَّتْها إِيطالْيا.
ـ3ـ
سَواقي الشَّوارِعِ تَأَهَّبَتْ لاسْتِقْبالِكِ..
أَسْرابُ الْحَمَائِـمِ
حَرَسَتْ مَرَافِىءَ الطُّرُقاتِ،
وَالْيَابِسَةُ خَطَّطَتْ لإِبْحارِكِ..
هاتِي يَدَكِ..
أَبْحِري مَعِي..
فَالرِّحْلَةُ لَنْ تَبْدَأَ إِلاَّ مَعَكِ.
**
قرميد جبال الألب
ـ1ـ
القِرْميدُ السّويسْرِيُّ
سَمَّرَ أَلْوانَهُ عَلَى السُّطوحِ
وَاشْرَأَبَّ لِرُؤيَتِكِ..
ـ2ـ
جِبالُ الأَلْبِ خَلَعَتْ عَباءَتَها الثَّلْجِيَّةَ
وَانْحَنَتْ لالْتِقاطِ أَنْفاسِكِ..
ـ3ـ
سَاعاتُ (اللّونْجين) الشَّهيرَةُ
ضَبَطَتْ وَقْتَ وُصُولِكِ
كَما تَضْبُطُ السَّنَةُ فُصُولَها،
حَتَّى لا يَتَفاجَأَ نَهْرُ الرّايْنِ..
وَيَثورَ!!
ـ4ـ
بُحَيْرَةُ لُوسَارْن..
أَعْطَتْ أَسْماكَها إِجازَةً
لا تَتَعَدَّى مُدَّتُها لَحْظَةَ مُرُورِكِ عَلَى ضِفَافِها..
كَيْ تَتَعَلَّمَ السِّباحَةَ
في بَحْرِ عَيْنَيْكِ..
ـ5ـ
غَرِيبٌ وُجُودِي مَعَكِ..
لا سْويسْرا رَحَّبَتْ بي،
وَلا ابْتِسامَتُكِ الْخَجُولَةُ..
حَدِّقي بي..
فَالأَعَيْنُ السّويسْرِيّةُ لا تَراني
إِلاّ مِنْ خِلالِ حَدْقَتَيْكِ.
**
حب في لندن
ـ1ـ
قولي: أُحبُّكَ..
لأَخْلَعَ جارَةَ التَّايْمزْ
وَأُتَوِّجَكِ مَكانَها مَلِكَةً
عَلى بَقايا الشَّمْسِ وَالضَّبابِ..
ـ2ـ
بلاطُ بَاكِينْغَهامْ يَتُوقُ لِمُوسيقى الدَّلَعِ
الْمُنْطَلِقَةِ، كَنَبَضاتِ قَلْبِي،
مِنْ وَقْعِ خَطَواتِكِ.
أَحْذِيَتُكِ الْمُطَعَّمَةُ بِوُرودِ سِيدْنِي
سَتَغْزُو إِمْبَراطورِيَّةً لَمْ يَغْزُها ابْنُ امْرَأَةٍ..
وَحِينَ تَلْتَقِيكِ،
سَيَلُفُّ لُنْدُنَ الْهُتَافُ،
وَتُسْكِرُها النَّشْوَةُ.
حَتَّى سَناجِيبُ حَديقَةِ هَايدْ بَارْك
سَتَهْجُرُ أَوْكارَها،
لِتَعيشَ زَمَنَكِ الْمُضِيءَ.
ـ3ـ
قُولِي: أُحِبُّكَ..
لِتَتَراقَصَ عَقَارِبُ ساعَةِ بِيغْ بَانْ
بَعْدَ حِدَادٍ طَوِيلٍ..
وَتُعْلِنَ أَمامَ حُرّاسِ قَصْرِكِ
إِنَّ ساعَةَ دُخولِي عَلَيْكِ قَدْ حانَتْ.
**
فتيات الكان كان
ـ1ـ
شارِعُ الشّانْزَليزِيهْ مُثْقَلٌ بِمَقاهِيهِ،
بِزُجاجاتِ الْعِطْرِ،
وَبِتَصْفيفاتِ شُعورِ نِسائِهِ.
تُزَيِّنُهُ أَجْسادُ الْعاشِقِينَ،
وَتُفْرِحُهُ أَنّاتُهُم.
ـ2ـ
تَعالَيْ نَدْخُل (اللِّيدُو)
لِنُغْرِقَ أَعْيُنَنا بِصُدُورِ فَتَياتِ (الْكَانْ كَانْ)،
وَنَجْمَعَ مِنْ تَحْتِ أَقْدامِهِنَّ
رَقَصاتٍ تَناثَرَتْ كالزُّجاج.
لَقَدْ تَغَزَّلْتُ بِصَدْرِكِ كَثيراً،
فَحَقَّت لَكِ الْمُقارَنَةُ..
وَحَقَّ لي الإدْراكُ أَنَّهُ الأَجْمَل،
وَأَنَّ النِّساءَ الْبَارِيسِيّات تَعَلَّمْنَ مِنْهُ الشُّموخَ
وَالْعِفَّةَ.
ـ3ـ
شامِخٌ صَدْرُكِ كَبُرْجِ إِيفِل..
وَمُسْتَديرٌ كَساحَةِ قَوْسِ النَّصْر..
وَأَنا ضَائِعٌ بَيْنَ الاسْتِدارَةِ
وَالشُّموخِ،
تُقَزِّمُنِي الظُّنونُ،
وَيُرْكِعُنِي الْخَوْفُ..
هَلاّ اقْتَرَبَتْ ساحَةُ الْكُونْكُورْد مِنّي..
هَلاّ أَشْفَقَتْ عَلَيّ..
حُبّي لَكِ أَوْسَعُ مِنَ السَّاحاتِ،
وَأَعْلى مِنَ الْبُرْج.
**
فلينعم بك نعيم الآخرة
ـ1ـ
مَكْسُورَةٌ هِيَ الأَشْعَارُ
كَقُلُوبِ مُحِبِّيكَ..
وَكُلُّ الأَوْزَانِ الشِّعْرِيَّةِ مُنْتَفِضَةٌ
وَثَائِرَةٌ..
أَشْكَالُهَا الْهَنْدَسِيَّةُ تَغَيَّرَتْ
رَغْمَ مُعَارَضَةِ الْخَلِيلِ وَاحْتِجَاجاتِهِ..
صُرَاخُهَا يَصُمُّ الآذَانَ
وَمَا مِنْ مُصْغٍ إِلَيْهَا.
إرْفَعْ يَرَاعَكَ عَلَماً تَتَبَنَّاهُ..
أُنْصُبْ أَوْرَاقَكَ خِيَماً تَسْتَظِلُّهَا..
إِرْمِ صَوْتَكَ نَهْراً تَرْتَوِي مِنْهُ..
مَا خَانَتْكَ الأَوْزَانُ يَوْماً،
فَخُذْ بِيَدِهَا.
ـ2ـ
غِيَابُكَ أَذْهَلَ الْغُرْبَةَ،
لَفَحَهَا بِوَجَعِ الإنْتِظَارِ،
أَقْعَدَهَا عَنِ التَّفْكِيرِ،
فَرْفَطَ نَظَرَاتِها الْعَطْشَى لِرُؤْيَتِكَ،
وَسَمَّرَهَا عَلَى نَعْشِكَ الطَّاهِرِ
زُهُوراً لا تَذْبُلُ.
ـ3ـ
غِيَابُكَ هَمٌّ جَدِيدٌ
يُضَافُ إِلَى هُمُومِنَا الْحَيَاتِيَّةِ الْكَثِيرَةِ
وَيَتَغَلَّبُ عَلَيَهَا!!
كَيْفَ سَنَنْهَضُ وَكَبْوَتُنَا مُوجِعَةٌ؟
كَيْفَ سَنُواصِلُ السَّيْرَ
وَجَمِيعُ الدُّرُوبِ
تَشْمَئِزُّ مِنْ وَقْعِ خطوَاتِنَا؟!
حَتَّى زَغَارِيدُنَا بِتَحْرِيرِ الْجَنُوبِ،
جَاءَتْ مَبْتُورَةً..
وَحَزِينَةً!
أَيْنَ زَغْرَدَتُكَ بِالنَّصْرِ
تُلْهِبُ السَّاحَاتِ
وَتُبَلْسِمُ جِرَاحَ الْجَنُوبِيَّاتِ الثَّكَالَى؟!
غِيَابُكَ يَا صَدِيقِي نَعِيم خوري..
أَبْعَدُ مِنَ التَّبْرِيرِ
وَأَصْعَبُ مِنَ الْقُبُولِ!
ـ4ـ
يَا أَيُّهَا الْغَرِيبُ عَنْ أَرْضِهِ،
الْمَنْفِيُّ عَنْ مَرَابِعِ طُفُولَتِهِ،
الْمَشْلُوحُ عَلَى مَرافِىءِ الأمَلِ!
مَنْ مِثْلُكَ
تَمَكَّنَ مِنْ مَحْوِ غُرْبَتِنَا؟!
مَنْ مِثْلُكَ وَهبَنَا وَطَناً مِثَالِيّاً،
تَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ الشُّعُوبُ؟
بُيُوتُهُ
أَبْيَاتُكَ الشِّعْرِيَّةُ..
نَاسُهُ
مَقَالاتُكَ النَّثْرِيَّةُ..
تُرَابُهُ
حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابِكَ الْخَالِدِ..
وَحَدَائِقُهُ
ابْتِسَامَاتٌ كُنْتَ تَسْتَقْبِلُنَا بِهَا،
وَتُوَزِّعُهَا عَلَيْنَا،
كَأَحْلَى الْعَطَايَا،
لَحْظَةَ الْوَدَاعِ.
كُنْتَ نَعِيمَنَا فِي حَيَاتِكَ..
فَلْيَنْعَمْ بِكَ نَعِيمُ الآخِرَةِ.
**
وريقات اعتراف
ـ1ـ
الْحُبُّ إِلَهٌ يَتَجَسَّدُ فِي الْقُلُوبِ.
الْحُبُّ هُوَ الَّذي خَلَقَنَا.
ـ2ـ
الْيَوْمَ..
بَدَأْتُ أَشْعُرُ أَنِّي وُلِدْتُ مِنْ جَديدٍ،
كُنْتُ كَالسَّرَابِ،
كَالْخَيَالِ..
وَالآنَ، أَصْبَحْتُ حَقِيقَةً،
أَصْبَحْتُ إِنْساناً يَشْعُرُ،
يَعْطِفُ
وَيُحِبُّ.
ـ3ـ
حَبيبَتي..
أُريدُها لِوَحْدِي..
فَهِيَ كُلُّ حَيَاتي،
وَحَياتي لَيْسَتْ مُلْكاً لأَحَدٍ.
ـ4ـ
كَمْ أَوَدُّ لَوْ أَغْمُرُها بِيَدَيَّ،
لَوْ أَعْصُرُها بِطَهارَةٍ،
وَأَغْرِفُ مِنْ عَيْنَيْها نُورَ حَياتي.
ـ5ـ
أَحْلُمُ بِها كُلَّ لَيْلَةٍ..
يُؤَرِّقُني طَيْفُها الْجَميلُ،
يَنْقُلُني إِلى عالَمٍ مُخْمَلِيِّ الثَّواني،
زِئْبَقِيِّ النَّبَضَاتِ.
إِلى عالَمٍ..
لا يَصِلُهُ إِلاَّ مِنْ يُحِبُّ.
ـ6ـ
أُريدُ أَنْ أَقُولَ لَها عَلى شاطِىءِ بَحْرٍ خَيالِيٍّ:
يا قَمَري..
مِنْكِ أَسْتَمِدُ نُورَ عُمْرِي.
الْحَياةُ بِدُونكِ عَلْقَمٌ.
كَمْ أَوَدُّ لَوْ أَغْسُلُ قَدَمَيْكِ بِدُمُوعي،
وَأَغْزُلُ شَلْحَتَكِِ مِنْ ضَوْءِ الصَّباحِ.
كَمْ أَوَدُّ لَوْ أَغْفُو كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ
بَيْنَ ذِرَاعَيْكِ
وَأَتَنَشَّقُ عَبِيرَ وَجْهِكِ الرَّيَّان.
ـ7ـ
حُبُّكِ، يا حَبِيبَتي، مُقَدَّسٌ عِنْدي.
حُبُّكِ إِلَهٌ أَعْبُدُهُ،
وَقَمَرٌ أَسْتَلْهِمُ مِنْهُ كِتابَتي.
حُبُّكِ زَهْرَةٌ أسْقِيها بَدَمْعي،
وَصُورَةٌ أَرْسُمُها بِدَمي.
ما أَحْبَبْتُ يَوْماً هَكذَا..
الْقَلْبُ يَدْعُوكِ،
الْقَلَمُ يَكْتُبُ عَنْكِ،
والْفِكْرُ مَعَكِ،
وَكُلُّ شَيْءٍ فِيَّ لَكِ.
أَنْتِ أَنا يا حَياتي.
ـ8ـ
هَلْ سِمِعْتِ بِقِصَّةِ قَيْسِ الْعَامِرِيِّ
مَجْنُونِ لَيْلى؟
أَوْ بِأُسْطُورَةِ رُومْيُو وَجُولْيِيتْ؟
جَمِيعهُمْ ماتُوا لِيَحْيُوا بِالْحُبِّ..
أَمَّا أَنا فَحَيٌّ،
وَحُبُّكِ يُمِيتُني شَوْقاً إِلَيْكِ.
ـ9ـ
يَداكِ..
جَبَلَهُما الْجَمالُ بِضَوْءِ الْقَمَرْ.
يَداكِ..
مِنْ أَجْلِهِما سَأَتَحَدَّى الْقَدَرْ.
يا حَبيبتي،
إِيَّاكِ أُحِبُّ، وَإِيَّاكِ أَعْبُدُ..
لأَنَّني أَشْعُرُ أَنَّ فِي قَلْبِكِ حَناناً،
وَفي عَيْنَيْكِ حُبّاً،
وَفي رُوحِكِ بَهْجَةَ الْعُمْرِ،
وَبَيْنَ جَفْنَيْكِ يَتَغَلْغَلُ الأَزَلُ.
1967
**
فلتأتِ سعادة اللقاء
ـ1ـ
الانْطِفَاءُ الَّذِي يُدَبْدِبُ نَحْوَ الشَّمْسِ،
تَنْتَظِرُهُ الْعَتْمَةُ بِعَيْنَيْنِ بُومِيَّةِ النَّظَرَاتِ.
وَالْوَجَعُ الْمُرْتَحِلُ فِينَا
يَحُوكُ أَثْوَابَ الْخُمُولِ
بِلُعَابِ عَنْكَبُوتٍ عَجُوزٍ،
أَوْقَعَتْهُ الصُّدْفَةُ
فِي فَخِّ الانْتِظَارِ.
ـ2ـ
لِمَاذَا الصُّرَاخُ..
وَالْحَنَاجِرُ تُعْلِنُ إِفْلاسَهَا؟!
وَنُبَاحُ الْكِلابِ
يَصُمُّ آذَانَ الْفَجْرِ،
يُوَزِّعُ الْمَنَاشِيرَ الصَّفْرَاءَ الْكَاذِبَةَ،
يُطَوِّبُ الْفَشَلَ عَطَاءً،
وَيَطْمُسُ بِرَائِحَةِ لُهَاثِهِ الْكَرِيهَةِ
فَوْحَ أَزْهَارِنَا.
ـ3ـ
الذَّاكِرَةُ الَّتِي لا تَحْفَظُ كَذِبَهُمْ..
عَاقِرٌ!
الأَيْدِي الَّتِي لا تَصْفَعُ خُبْثَهُمْ..
مَشْلُولَةٌ!
كَلِمَاتُهُمْ خَنَاجِرُ فِي ظُهُورِ الأَبْرِيَاءِ،
وَضَحِكَاتُهُمْ حَبْلَى بِجَرَاثِيمِ التَّفْرِقَةِ،
وَنَحْنُ نَتَلَهَّى بِسُعَالِنَا.
ـ4ـ
مَنْ مِنَّا لَمْ يَفْقَأُوا عَيْنَيْهِ،
وَيَرْمَوْهُ فِي بِئْرِ الضَّيَاعِ،
لِتَمْضَغَهُ الْغُرْبَةُ بِأَشْدَاقٍ نَتِنَةٍ،
وَتَبْنِيَ بِعِظَامِهِ قُبُورَ أَجْيَالٍ
فَاتَهَا قِطَارُ الرُّجُوعِ؟!
ـ5ـ
يا سَاكِنَ حُرُوفي.. أُنْطُقْ.
تَجْتَرُّنِي اللَّحَظَاتُ الصَّمَّاءُ
وَالْوَطَنُ يَنْتَظِرُنِي.
كَيْفَ أَحْمِلُ الْعِيدَ إِلَيْهِ؟
كَيْفَ أَقْتَلِعُ أَشْجَارَ غُرْبَتِي
وَأَغْرُسُهَا فِي سُفُوحِهِ،
وَأُزَيِّنُهَا بِضَحِكَاتِ أَطْفَالٍ مُعَمَّدِينَ بِالْمَجْدِ؟
كَيْفَ أَعُودُ..
وَالرَّحِيلُ يَشْطُبُ وَجْهَ أُمَّتِي
بِذَرَائِعَ وَقِحَةٍ كَاذِبَةٍ؟
ـ6ـ
هَلِّلُويَا.. هَلِّلُويَا..
دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مُنْذُ الصَّلاةِ الْبِكْرِ،
بَاتَ يُتْعِبُنِي.
صَدَاقَةُ الابْتِهالِ تَسَرَّبَتْ مِنْ مَسَامِي
شَكّاً جَارِفاً.
خَلِّصْنِي أَيُّهَا الْمُخَلِّصُ..
يَدَايَ مَمْدُودَتَانِ لاسْتِقْبَالِ الْفَرَحِ،
وَقَلْبِي نَابِضٌ بِالْحُلمِ،
فَلْتَأْتِ سَعَادَةُ اللِّقَاءِ.
**
ماتت زنبقة مجدليا
ـ1ـ
يَوْمَ زُرْت لُبْنانَ،
اسْتَقْبَلَتْني زَنْبَقَةُ مِجْدَلَيّا في رَوْضِها الْجَميلِ.
صاحَتْ مِنَ الدَّاخِلِ: يا أَهْلا..
فَحَمَلَني صَوْتُها إِلَى جَنَّةِ الأَهْلِ فِي لُبْنان،
إِلى أحضَانِ مَنْ غَنَّيْتُهُمْ بِشِعْرِي،
وَسَئِمْتُ ابْتِعادِي عَنْهُمْ.
هَمَسَتْ الطيورُ فِي أُذُني: مَنْ هَذِهِ؟
فَقُلْتُ: لُورانْس..
أُخْتُ فُولَمِين زَوْجَة ابْنِ عَمِّي الْياس.
إِنَّها فَتاةٌ رَائِعَة..
إنَّها زَنْبَقَةُ مِجْدَلَيَّا.
ـ2ـ
عام 1969، دَخَلْتُ عَالَـمَ التَّمْثِيلِ والإِخْرَاجِ..
كانَ كُلّ شَيْءٍ يَسِيرِ كَدَقَّاتِ السَّاعَةِ،
ما عَدَا افْتِقَارِي إِلَى بَطَلَةٍ مُثَقَّفَةٍ
تَمَثِّلُ أَمامِي دَوْرَ زَوْجَتي الْمُسْتَرْجِلَة
التي تَضْرِبُني، وَتَضْرِبُنِي، وَتَضْرِبُني
طِوالَ مُدَّةِ ظُهُورِها على الْمَسْرَحِ.
إنَّه دَوْرٌ صَعْبٌ لِلْغايَة..
وَبَناتُ قَرْيَتي لَمْ يُمَثّلْنَ مِنْ قَبْلُ.
فَمِنْ أَيْنَ لِي بِها؟
وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ طَويلٍ،
وَقَعَ اخْتِياري عَلَى أَجْملِ زَهَراتِ مِجْدَلَيَّا..
على لُورانْس ساسين الْكَحِيل.
ـ3ـ
كانَتْ صَبِيَّةً صَغِيرَةً،
تَحْلُمُ النَّسَائِمُ بِمُداعَبَةِ شَعْرِها الأَسْودِ الطّويل.
كانتْ جميلةً وَناعِمَةً كبراعِمِ الزَّهرِ
الَّتي لَـمْ تَقْطِفْها يَدُ إِنْسانٍ..
إِنَّها أصلُحُ ما تَكونُ لِتْمْثِيلِ دَوْرِ مَلاكٍ
أَرْسَلَهُ اللَّه لإِنْقَاذِ بَنِي الْبَشَرِ.
فَهَل سَتَنْجَحُ بِدَوْرِ امْرَأَةٍ مُسْتَرْجِلَة؟
هَذَا ما كانَ يُؤَرِّقُنِي،
وَيَقُضّ مَضْجَعِي.
وَلَكِنْ، كما يقولُ المثَلُ الشَّعْبِيُّ:
عِنْدَ الإِمْتِحان تُكْرَمُ لُورانس أَوْ تُهان.
ـ4ـ
.. وَما أَنْ اَطَلَّتْ "بِشُوْبَقِِها"،
وَصَاحَتْ بِصَوْتِها الأُنْثَوِيّ الْجَميل:
إِمْشِ قُدَّامي إِلَى الْبَيْت.
حَتَّى اشْرَأَبَّتْ مِئاتُ الأَعْناقِ،
وَصَفَّقَتْ آلافُ الأَيْدي.
لَقَد سَحَرت الجُمْهُورَ،
وَوَزَّعَتْ عَلَيْهِ بَدَلَ "الإِسْتِرْجالِ" أُنُوثَةً.
وَبَدَلَ "الْقُوَّةِ" حَناناً..
وَأَحْسَسْتُ أَنْ ضَرَبات "شُوبَقِها"
قَد انْقَلَبَتْ أزهاراًً..
وَأَنَّ دورَ "المَرْأَةِ الْمسْتَرْجِلَةِ" الَّذِي بَرَعَتْ بِهِ
حَدَّ التَّقَمُّص،
ما كانَتْ لِتَنْجَحَ بِهِ،
لَوْلا حَنانُها الْغامِرُ،
وَشَخْصِيَّتُها الفَذَّةُ،
وَثَقافَتُها الْعالِيَةُ،
وَإِطْلالَتُها الْمُفْرِحَةُ.
كَانَتَ وَحِيدَةً فِي كُلِّ شَيءٍ..
حتَّى بِقَدَاسَتِها!
ـ5ـ
أَرادَتْ لُورانس أَنْ تَسيرَ عَلَى خُطى السيِّد،
أَنْ تَتَعَمَّدَ في نَهْرِ الأُرْدُن..
أَنْ تَغْسُلَ رِجْلَيْهَا بِمِياهِهِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَرَافَقَتْ "إذاعَة صَوْت الْمَحَبَّة" فِي رِحْلَتِها..
الْمُؤمِنُونَ يُرَتِّلُونَ بِخُشُوعٍ،
والْحَافِلاتُ تَرْقُصُ طَرَباً..
الرِّحْلَةُ جَمِيلَةٌ،
والْقَيِّمُونَ عَلَيْها يُوزِّعونَ الْفَرَحَ
كَما يُوزَّعُ البُونْبون في الأَعْياد.
وَحْده الحَرّ كانَ شديداً،
يُعَكِّرُ بِلَهِيبِه صَفَاوَةَ الرِّحْلَة..
الشّمسُ تُرْسِلُ أَشِّعَتَّها الْمُحْرِقَةَ،
والْهَواءُ يَلْفَحُ بِها أَبْدانَ الْمُسَافرينَ.
عندئِذٍ بَدَأَتْ زَنْبَقَةُ مجدلَيَّا بِالذُّبُولِ..
وَلَيَسْ أَمامَهَا من مُنْقِذٍ سِوَى نَهْر القَداسَةِ..
ـ6ـ
وَضَعَتْ قَدَمَيْها فِي الْماء..
انْتَعَشَتْ قَليلاً..
ابْتَسَمَتْ..
وَشَكَرَت الْفادي.
فَإِذَا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ يُدَغْدِغُ مَسَامِعَها قائلاً:
هَذِه هِيَ ابْنَتِي الْحبيبةُ الَّتي بِها سُرِرْتُ.
لـم تُصَدِّق أُذُنَيْها..
فَتَطلَّعَتْ إِلى السَّماء،
فإِذَا بَجَوْقَةٍ من الْمَلائِكة تَرِفّ فَوْقَها..
ثِيابُها بَيْضَاء..
أَجْنِحَتُها بَيْضاء..
وابْتِساماتُها لُؤلؤيَّةٌ كَثُلوجِ جِبالِنا الشَّمّاء.
ما أَجْمَل الْمَلائِكَة، صاحَتْ لورانس..
وَمَدَّت يَدَيْها لأَقَرَبِهِم إِلَيْها،
فَإذا بِهِ يَحْمِلُها إلى غَيبُوبَةِ السَّعادَة.
ـ7ـ
هُناكَ تَراءَى لَها أَبُوها..
مِشيَتُهُ لْـمْ تتغَيَّر،
حَتَّى وَلا مَلامِحُهُ الْمِجْدِلاوِيَّةُ الْجَميلَة.
أَبي، تَمْتَمَتْ بِخَوْفٍ شَديدٍ..
فَابْتَسَمَ لَها وَقالَ: آنَ أَوانُ لِقائِنا يا ابْنَتِي..
جَنَّتُنا السَّماوِيَّةُ جَميلَةٌ جِدّاً،
كُلُّ ما فيها سَيَسْحرُكِ..
إِنَّها السَّعادةُ الدَّائِمَةُ.
تَعالَيْ لأُعَرِّفَكِ بِقِدِّيسيها،
بِمَلائِكَتِها،
بِأَهْلِها،
وَبِأَقارِبِكِ..
هَذَا هُوَ عَمُّكِ وَجيه..
وَذاكَ ابْنُ عَمَّتِكِ ميشال عيسى
يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ عالٍ مَعَ خالِكِ الياس وَابْنِهِ إدغار.
أَمّا تِلْكَ الْمَرْأَةُ الْفاضِلَةُ فَهِيَ جَدَّتُكِ فولَمين.
كَفَى.. كَفَى.. يا أَبِي،
صاحَتْ لُورانْس،
أَكادُ أَضْعَفُ أَمامَكَ، وَأَنْسى أُمّي..
هَلْ نَسيتَ أُمّي يا أَبِي؟..
إنَّها رَفيقَتِي، وَحَبيبتِي،
وَتاجُ رَأْسي..
ماذَا سَيَحْدُثُ لَها إِنْ أَنا انْضَمَمْتُ إِلَيْكَ؟
قَلْبُها رَقيقٌ، وَدَمْعَتُها سَخِيَّةٌ..
"أَمَلين"، يا أَبي، سَتُذْبَحُ مِنَ الْوَريدِ إلى الْوَريدِ
إِنْ أَنا فارَقْتُها.
ثُمّ لا تَنْسَ أَنَّنِي بَعيدَةٌ عَنِ الْبَيْتِ،
وَمَوْتِي فِي الْغُرْبَةِ سَيُذِيقُها مُرَّ الْعَلْقَمِ.
إِرْحَمْ أُمّي يا أَبِي..
وَحَاوَلَتْ أَنْ تَسْحَبَ يَدَيْها
مِنْ بَيْن يَدَيّ الْمَلاك.
وَأَنْ تَعُودَ إلى عالَمِها الأرْضِيّ..
وَلَكِنَّ الْمَلاكَ رَماها في حِضْنِ أَبيها
فَعانَقَتْهُ بِحَرارَةٍ وَهِي تَبْكي.
ـ8ـ
ماتَتْ زَنْبَقَةُ مِجْدَلَيَّا..
ماتَتْ لُورانْس..
فَجَنَّتْ إِذاعةُ "صَوْت الْمَحَبّة"،
وَجَنَّ الرِّفاقُ وَالرَّفيقاتُ،
وَجَنَّتْ مِياهُ نَهْرِ الأُرْدُن.
كُلُّ السَّاعاتِ تَوَقَّفَتْ دَقَّاتُها،
ما عَدَا دَقَّات قَلْبِ الْوَطَن..
مَنْ سَيَنْقُلُ الْخَبَرَ إِلَيْه؟
مَنْ سَيَتَجَرَّأُ وَيُخْبِرُ "أَملين" الأُمّ؟!
ـ9ـ
الصَّمْتُ يُخيِّمُ عَلَى مِجْدَلَيّا،
رُؤوسُ أَبْنائِها مُخَفَّضَةٌ كَأَعْلامِ الدُّوَلِ.
وَحْدها "أَملين" لَـمْ تَعْرِفْ بَعْد..
جُثَّةُ الزَّنْبَقَةِ حَطَّتْ فِي مَطارِ بَيْروت
وَقَاماتُ الْمِجْدَلاوِيِّيَن أَيْضاً..
كُلُّهُمْ زَحَفُوا لاسْتِقْبالِها..
لِرَفْعِها فَوْقَ الْهاماتِ..
لِتَقْبيلِ جَبينِها الطَّاهِرِ،
وَلِتَكْحيلِ أَعْيُنِهِم بِطَلَّتِها الْبَهِيّة..
وَ"أَمَلين" لَـمْ تَعْرِفْ بَعْد!
طُرُقاتُ مِجْدَلَيّا مُضَاءَةٌ بِالشُّمُوعِ..
لَيْلُها انْقَلَبَ نَهاراً،
فَالْعَرُوسُ آتِيَةٌ مِنَ الأُرْدُن
وَكُلُّ عَذَارى الْقَرْيَةِ أَضَأْنَ مَصابيحَهُنَّ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَـمْ يَتَجَرَّأْ أَحَدٌ وَيُخْبِر "أَمَلين".
يا رِجالَ الْقَرْيَةِ تَشَجَّعوا..
يا حُكَماءَ الْقَرْيَةِ تَشاوَرُوا
وَيا أُمَّهاتِ الْقَرْيَةِ خَفِّفْنَ لَوْعَةَ الأُمِّ الثَّكْلى.
ها هِيَ جُثَّةُ لُورانْس تَدْخُلُ الْقَرْيَةَ..
ها هِيَ أُخْتُها فِيفْيان تَتَلاشى..
وها هِيَ أُمُّها "أَمَلين" تَقَعُ عَلَى الأرْضِ
مُضَرَّجَةً بِدُموعِها.
ـ10ـ
مالبُورْن الَّتي عَرَفَتْها بَكَتْ..
البَيْتُ ضاقَ بِالْمُعَزّينَ
وَفُولَمين أُخْتُها يَلُفُّها الذُّهولُ والذُّبولُ.
سيدْنِي أَيْضاً تَفَجَّعَتْ..
بَيْتُ عَمِّها يُوسِف،
وَدَيْرُ مار شَرْبِل وَحَّدَهُما الْحُزْنُ
وَتَبَلَّّلا بِدُموعِ الأَحْبابِ.
كُلُّهم أَحَبُّوها يَوْمَ زارَتْهُمْ في غُرْبَتِهِمْ،
وَكُلّهم بَكُوا شَبابَها الفَتّانَ.
حَتّى كَنَدا اصْطَكَّتْ رِكْبَتَاها
عِنْدَما اصْطَكَّتْ رُكَبُ أُخْتِها ماري
وَأَخَوَيْها فيليب وطوني وباقي الأَهْل..
إِنَّها خَسارَةٌ لا تُعَوَّضُ..
فَهَلْ تُعَوَّضُ خَسارَةُ مِجْدَلَيّا
لِزَنْبَقَتِها الرَّائِعَةِ الْجَميلة؟
وَهَل يُعَوَّضُ رَحيلُ مَنْ عَلَّمَتِ الأَجْيالَ الْحَرْفَ
وَزَرَعَتْ في نُفُوسِهِمْ حُبَّ اللَّـهِ وَالْوَطَن ؟
لورانْس الْكَحيلْ لَـمْ تَمُتْ..
إِنَّها تَعيشُ في قُلوبِنا..
فَطُوبَى لِمَنْ أَصْبَحَت الْقُلُوبُ جَنَّتَها،
فَلَسَوْفَ تَحْتَضِنُها الدَّيْمُومَةُ،
وَيُرافِقُها الْخُلُود.
**
سمر
ـ1ـ
قولي.. فَدَيْتُكِ يا سَمَرْ
هَلْ غَبَّرَ العِلْمَ انْقِضاءْ؟!
وَهَلِ الْقَصائِدُ والْعِبَرْ
جاءَتْ.. كَما الإِنْسانُ جاءْ؟!
ذُرَّ الرَّمادُ عَلى حَجَرْ
كُوني لِوِحْدَتِنا ابْتِداءْ
ـ2ـ
"لينا" التَّفاؤلُ والْكِبَرْ
ذابَتْ.. لِتُعْطينا الضِّياءْ
واسْوَدَّ مِنْ لَوْنِ السَّفَرْ
وَجْهٌ سَماوِيُّ الصَّفاءْ
"لينا"، وَهَلْ يَخْفى الْقَمَرْ؟!
كَلاَّ.. فَيا نِعْمَ النِّساءْ
ـ3ـ
أَلظُّلْمُ.. مِنْ صُنْعِ الْبَشَرْ
وَالْحُبُّ مِنْ وَحْيِ السَّماءْ
أَنْتِ الْمَحَبَّةُ والزَّهَرْ
أَنْتِ التَّواضُعُ والإِباءْ
وَاللّهِ، قَدْ يَفنى القَدَرْ
وَلَيْسَ يَفْنيكِ انْتِهاءْ!!
ـ سمر: الدكتورة سمر العطّار.
ـ لينا: كتاب لينا لوحة فتاة دمشقيّة.
**
مزامير ميلادية
المزمور الأوّل:
"الْمَجْدُ لِلَّـهِ فِي الْعُلَى
وَعَلَى الأَرْضِ السَّلامُ
وَالرَّجاءُ الصَّالِحُ لِبَنِي الْبَشَر".
تَرْنِيمَةٌ طَالَما أَنْشَدْتُهَا فِي خَلْوَتِي.
مَهْما اتَّسَخْتُ بِالْخَطِيئَةِ أَظَلُّ ناصِعاً كَالثَّلْجِ.
مَنْ مَنْكُمْ بلا خَطيئَةٍ، "فَلْيَرْمِنِي" بِحَجَرْ!
هَكَذَا قَالَ يَسُوع.
وَأَنا عَلَى خُطاهُ أَسِيرُ.
بلا ثَوْبٍ وُلِدَ
وَبلا ثَوْبٍ أَعِيشُ.
في مَغَارَةٍ أَتَى الْعَالَـمَ
وَمِنْ فُتْحَةِ كُوخٍ رَأَيْتُ النُّورَ.
قَالَ: أَنا يَنْبُوعُ الْخَلاصِ.
وَأَقُولُ بِدَوْرِي: أَنا السَّاقِيَةُ الْجَافَّةُ،
أَنا الْحُنْجُرَةُ الصَّامِتَةُ،
أَنا الْعَيْنُ الَّتي شَكَّكَتِ الْعَالَـمَ وَلَـمْ يَقْتَلِعُوني.
خَطايايَ أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصى.
الْبَرَاءَةُ لا أَعْرِفُها،
وَهِيَ أَيْضاً لا تَعْرِفُنِي.
صُدْفَةً الْتَقَيْتُها عِنْدَ مُنْعَطَفِ الطُّفُولَةِ،
ابْتَسَمَتْ لي، فَأَشَحْتُ بِوَجْهي عَنْها.
اقْتَرَبَتْ مِنِّي، فَهَرْوَلْتُ مُسْرِعاً،
والسَّبَابُ يُدْمي شَفَتَيَّ.
اقْتَرَبَتْ أَكْثَرَ، فَأَكْثَر..
ابْتَعِدي عَنِّي، صِحْتُ،
فَالزُّهُورُ الَّتي تَزْدانِينَ بِها
تَجْعَلُني أَتَقَيَّأُ.
**
المزمور الثاني:
يَا ابْنَ مَرْيَمَ،
يا طِفْلَ الْمَغارَةِ الْمُتَواضِعَةِ،
بَيْتي بِحاجَةٍ إِلَى مَغَارَةٍ
وَالْفَقْرُ يَفْتَرِشُ جُيُوبي.
أَعِرْني مَغارَتَكَ لأُعَيِّدَ،
وَمِنْ ثَـمَّ أُرْجِعُها لَكَ
بَعْدَ فَناءِ الْعَالَـمِ.
**
المزمور الثالث:
"هَلّلُويا..
هَلِّلُويا..
وُلِدَ لَكُم الْمُخَلِّصُ".
تَعالَ يَا مُخَلِّصي وَانْظُرْ
كَيْفَ تَبَدَلَّتْ مَعَالِـمُ الْكَوْنِ،
الْكَبيرُ يَأْكُلُ الصَّغِيرَ، والصَّغِيرُ يُصَلّي.
وَهَبْتَنَا الأَرْضَ: شُكْراً.
وَلَكِنَّكَ نَسيْتَ أَنْ تَقْسِمَها فيما بَيْنَنا،
وَأَنْ تَرْسُمَ حُدُودَ كُلِّ بَلَدٍ بِالنَّارِ،
لَعَلَّنا، بِذَلِكَ، نَتَخَلَّص مِنَ الْحُرُوبِ
الَّتي تَجْتاحُ الْمَعْمُورَ،
وَكَأَنَّها الْقِيَامَة.
**
المزمور الرابع:
جِياعٌ.. وَالْجُوعُ يَشُدُّهُمْ نَحْوَ الْمَوْتِ.
عُرَاةٌ.. وَالْبَرْدُ يَنْخُرُ عِظَامَهُم.
حُفاةٌ.. وَالشَّوْكُ مُشْتاقٌ لأَقْدَامِهِم الطَّرِيَّةِ.
الْحَيَاةُ كَالسِّيجارَةِ فِي جَيْبِهِمْ، كاللا شيء،
وَالأَبَدِيَّةُ وَهْمٌ مُغَلَّفٌ بِالسَّرابِ.
الأَبَدِيَّةُ.. يَجْفُلُونَ لَدى ذِكْرِ اسْمِها!
يُريدُونَ أَنْ يِعِيشُوا، حتَّى وَلَو بِالْكُفْرِ!
أَنْتَ الأَبَدِيَّةُ يَا يَسُوع، وَنَحْنُ الْفَناء.
أَنْتَ الْخُبْزُ السَّماوي، وَنَحْنُ الْجِياع.
أَنْتَ النُّورُ السَّاطِعُ،
وَنَحْنُ التَّائِهُونَ، الضَّالُونَ، الْحُفَاة.
**
الى الرئيس
ـ1ـ
تَوَقَّفَتِ الْكَلِمَةُ، فَلْنَرْجِعْ إِلى الْوَراءِ.
لا تَخافُوا، فَلَوْلا الظُّلْمَةُ ما طَلَعَ بَصِيصٌ،
وَالأَيْدي الْمُتَشَابِكَةُ..
ما تَشَابَكَتْ لَوْلا خَنَاصِرُها وَبَناصِرُها.
لَيْسَ لأَحَدٍ فَضْلٌ ذَاتِيٌّ، بَل الْفَضْلُ لِلْجَميعِ،
وَمِنْ هُنا يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ،
وَحَذَارِ، حَذَارِ مِنَ الْغُرورِ
فَفَخْفَخَتُهُ مَذَلَّةٌ، وَتَعاليهِ احْتِقارٌ.
ـ2ـ
أَنْتَ لَنا وَلَهُمْ، أَنْتَ لِلُبْنان.
وَعارٌ عَلَيْنا أَنْ نَرْتَضِيكَ فِي اتِّجاهٍ وَاحِدٍ،
كَأَنَّكَ حَجَرُ رُحىً تَهْرُسُ الْقَمْحَ وَالزُّؤانَ مَعاً،
وَتَدُورُ كُلَّما تَدَفَّقَتِ الْمِياهُ،
وَتَتَوَقَّفُ إِثْرَ جَفَافٍ وَقَحْطٍ.
ـ3ـ
الْمِيزانُ هُوَ أَنْتَ..
كَفَّتاكَ العَدَالَةُ وَالْمُسَاواةُ.
ما أَجْمَلَ الْعَدْلَ،
خُصُوصاً بَعْدَ جُورٍ وَاسْتِبْدادٍ.
ما أَرْوَعَ الْمُساواةَ،
خُصُوصاً بَعْدَ تَمْيِيزٍ وَتَفْرِقَةٍ.
كُنْ حَريصاً عَلَيْهما،
لأَنَّ لا وُجُودَ لَكَ بِدُونِهِما.
كُرْهاً يَتَحَوَّلُ حُبُّنا، إِذَا لَمْ تَعْدُلْ.
وَاشْمِئْزازاً يَنْقَلِبُ اغْتِباطُنا،
إِذَا لَمْ تُسَاوِ بَيْنَ عَيْنٍ وَعَيْنٍ.
ـ4ـ
لأَنَّ اللَّيْلَ يَبْتَلِعُ النَّهارَ..
لا تَدَعِ اللَّيْلَ يَقْتَرِبُ مِنْ نَهارِنا.
دَعْنا نَرَى النُّورَ، فَالظُّلْمَةُ سَكَنَتْ أَحْداقَنا،
وَأَبَتْ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ مَوْطِىءٍ لِلْفَرَجِ.
ما هَذَا الإِنْغَلاقُ الْكُلِّيُّ؟
ضِعْنا وَاللَّهِ، وَأَعْطَيْنا الإِدْراكَ لِغَيْرِنا،
وَبَقِيْنا بِدُونِ إِدْراكٍ!
ـ5ـ
مُدَّ يَدَكَ وَخُذْ بِيَدِنا..
فَالْغَرَقُ مُمِيتٌ أَيُّها الْقُبْطانُُ،
وَسَفِينَتُكَ تَعُومُ بِقَرَفٍ!
فَجَذِّفْ، جَذِّفْ، فَالْيَابِسَةُ تَتَطَلَّعُ نَحْوَنا،
وَنَحْنُ غَافِلُونَ.
ما أَحْلَى لَمْسَ التُّرَابِ وَتَقْبِيلَهُ،
فَهُوَ الْحَياةُ إِنْ دَبَّتْ فِي عُرُوقِنا حَيَاةٌ،
وَهُوَ الْبَقاءُ إِنْ أَرَدْنا لِوُجُودِنا بَقاءً.
ـ6ـ
لا تُعانِدْ..
لا تُزَاعِلْ أَحَداً..
وَلا تَتَخَلَّ عَنْ حَقٍّ.
كُنْ سَيْفاً ذَا حَدَّيْنِ، وَلا تَكُنْ مِجَنّاً،
فَالْمِجَنُّ يَتَلَقَّى الضَّرباتِ وَالسَّيْفُ يُسَدِّدُها.
كُنِ انْطِلاقاً، وَلا تَكُنْ رُجُوعاً..
فَعِنْدَ الإِنْطِلاقِ تَحْظَى بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ،
وَعِنْدَ الرُّجُوعِ تَجُرُّ أَذْيالَكَ جَرّاً،
وَأَنَّى لَكَ الْوُقُوفَ عَلى قَدَمَيْكَ.
ـ7ـ
هَنِيئاً لَنا بِكَ،
وَهَنيئاً لِلُبْنان..
يا مَنْ أَتَى كَالْبَرْقِ الْحالِمِ بِالنُّعُومَةِ.
يا مَن امْتَطَى صَهْوَةَ جَوادٍ أَغْبَرَ
وَطارَ بِهِ فَوْقَ السَّحابِ،
عَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى حَصْرِ أَبْنائِهِ،
جَمِيعِ أَبْنائِهِ،
ضِمْنَ دَائِرَتَيْ عَيْنَيْهِ الصَّغِيرتَيْنِ.
فَلا تُخَيِّبِ الآمالَ،
وَلا تَقْذِفْ بِمَنْ أَوْلاكَ ثِقَتَهُ إِلى الْقَعْرِ،
وَلا تَخَفْ مِنَ النَّصْرِ،
فَنَصْرُنا كانَ غَالِياً جِدّاً،
إِلَى دَرْجَةٍ تَتَوَقَّفُ عِنْدَها التَّضْحِيَةُ،
وَتَبْتَدِىءُ الصَّيْرُورَةُ!.
**
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

